فخر الدين الرازي
183
تفسير الرازي
من وجهين الأول : أن نقول لم لا يجوز أن يكون المراد منه أن كل أحد أسلم وقت استخراج الذرية من صلب آدم ؟ وإذا كان كذلك كان الكل داخلاً فيه والثاني : وهو أنه تعالى قال في آخر الآية * ( فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ) * فجعل موجب العذاب هو الكفر من حيث إنه كفر لا الكفر من حيث أنه بعد الإيمان ، وإذا وقع التعليل بمطلق الكفر دخل كل الكفار فيه سواء كفر بعد الإيمان ، أو كان كافراً أصلياً والله أعلم . ثم قال : * ( فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم ) * وفي الآية سؤالات : السؤال الأول : أنه تعالى ذكر القسمين أولاً فقال : * ( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ) * فقدم البياض على السواد في اللفظ ، ثم لما شرع في حكم هذين القسمين قدم حكم السواد ، وكان حق الترتيب أن يقدم حكم البياض . والجواب عنه من وجوه : أحدها : أن الواو للجمع المطلق لا للترتيب وثانيها : أن المقصود من الخلق إيصال الرحمة لا إيصال العذاب قال عليه الصلاة والسلام حاكياً عن رب العزة سبحانه : " خلقتهم ليربحوا علي لا لأربح عليهم " وإذا كان كذلك فهو تعالى ابتدأ بذكر أهل الثواب وهم أهل البياض ، لأن تقديم الأشرف على الأخس في الذكر أحسن ، ثم ختم بذكرهم أيضاً تنبيهاً على أن إرادة الرحمة أكثر من إرادة الغضب كما قال : " سبقت رحمتي غضبي " وثالثها : أن الفصحاء والشعراء قالوا : يجب أن يكون مطلع الكلام ومقطعه شيئاً يسر الطبع ويشرح الصدر ولا شك أن ذكر رحمة الله هو الذي يكون كذلك فلا جرم وقع الابتداء بذكر أهل الثواب والاختتام بذكرهم . السؤال الثاني : أين جواب ( أما ) ؟ . والجواب : هو محذوف ، والتقدير فيقال لهم : أكفرتم بعد إيمانكم ، وإنما حسن الحذف لدلالة الكلام عليه ومثله في التنزيل كثير قال تعالى : * ( والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم ) * ( الرعد : 23 ، 24 ) وقال : * ( وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا ) * ( البقرة : 127 ) وقال : * ( ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا ) * ( السجدة : 12 ) . السؤال الثالث : من المراد بهؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم ؟ . والجواب : للمفسرين فيه أقوال أحدها : قال أُبي بن كعب : الكل آمنوا حال ما استخرجهم من صلب آدم عليه السلام ، فكل من كفر في الدنيا ، فقد كفر بعد الإيمان ، ورواه الواحدي في " البسيط " بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم وثانيها : أن المراد : أكفرتم بعد ما ظهر لكم ما يوجب الإيمان وهو الدلائل التي نصبها الله تعالى على التوحيد والنبوّة ، والدليل على صحة هذا